التّصلُّب المتعدّد (MS) هو حالةٌ تصيب الجهاز العصبيّ المركزيّ، وتتداخل مع النّبضات العصبيّة داخل الدّماغ، والحبل الشّوكيّ، والأعصاب البصريّة. كلمة «Sclerosis» هي كلمةٌ يونانيّةٌ تعني النُّدوب، وتحدث هذه النّدوب داخل الجهاز العصبيّ المركزيّ. تختلف أعراض المرض اعتمادًا على مكان تطوّره؛ فمن الممكن أن يكون حميدًا نسبيًّا، أو مدمّرًا. مثلًا، بإمكانه قطع الاتّصالات بين المخّ وأحد الأجزاء الأخرى.

يؤمن العديد من الباحثين أنّه مرضٌ مناعيٌّ ذاتيٌّ؛ ففي حالة التّصلُّب المتعدّد، يشنّ الجهاز المناعيّ هجومًا دفاعيًّا ضدّ المَيَالين Myelin الّذي يغطّي الخلايا العصبيّة، ويمكن ربط هذا الهجوم بمُسبِّبٍ بيئيٍّ غير معروفٍ، كفيروسٍ مثلًا. يتمّ تشخيص أكثر من مليوني حالة تصلّبٍ عصبيٍّ متعدّدٍ في جميع أنحاء العالم. معظم النّاس الّذين يتمّ تشخيصهم تتراوح أعمارهم بين 20-40 عامًا، ولكنّه يمكن أن يؤثّر على الشّباب الصّغار وكبار السّنّ أيضًا. احتمال إصابة النّساء بالمرض يقارب ثلاثة أضعاف احتمال إصابة الرّجال. ليس هناك حاليًّا علاجٌ معروفٌ له ولكن هناك عددٌ من الخيارات العلاجيّة المتاحة للمساعدة في السّيطرة على الأعراض وإبطاء تقدُّم المرض.

الأعراض

أعراض التّصلّب المتعدّد متنوّعةٌ وغير متوقَّعةٍ، ويعتمد ذلك على الجزء المُتأثِّر من الجهاز العصبيّ المركزيّ ودرجة تأثُّره، فلا يوجد حالتان متشابهتان من مرض التّصلّب العصبيّ المتعدد، بل تختلف الأعراض تبعًا لمكان ظهور الآفات في الدّماغ والحبل الشّوكيّ.

يمكن أن تكوِّن الأعراض أيّ مزيجٍ من المشاكل الصّحّيّة الرّئيسيّة الخمسة التّالية:

ــ التحكُّم الحركيّ: تشنُّجات العضلات أو الرّجفان، مع مشاكل الضّعف والتّناسق والتّوازن، وعمل الذّراعين والسَّاقَين (في أسوأ الحالات يمكن أن يسبِّب الشّلل الجزئيّ أو الكامل).

ــ الإعياء: بما في ذلك حساسيّة الحرارة.

ــ أعراضٌ عصبيّةٌ أخرى: الدُّوار، المَذَل (أحاسيس غير طبيعيّةٍ مؤقتةٌ، مثل الإحساس بالخدر، والوخز، أو النَّمَل “الدبابيس والإبر”)، وألم الأعصاب (النورالجيا)، والاضطرابات البصريّة (الرؤية الضّبابيّة أو المزدوجة، تشوّه اللون الأحمر والأخضر، أو حتّى العمى في عينٍ واحدةٍ).

ــ مشاكل في المَصَرَّتين البوليّة والشّرجيّة: سلس البول والغائط.

ــ الأعراض النّفسيّة العصبيّة: كفقدان الذّاكرة، والاكتئاب، والصّعوبات المعرفيّة (مثل صعوبات التّركيز والانتباه وضعف المحاكمة العقليّة).

قد يشخِّص الطّبيب التّصلُّب المتعدّد في بعض المرضى بعد وقتٍ قصيرٍ من بداية المرض. ومع ذلك، ففي حالاتٍ أخرى قد لا يكون الأطبّاء قادرين على التّعرُّف بسهولةٍ على سبب الأعراض، ممّا قد يؤدّي إلى سنواتٍ من عدم اليقين وتشاخيص متعدّدةٍ تتخلّلها أعراضٌ محيّرةٌ تتزايد بشكلٍ غامضٍ ثم تضعف مرّةً أخرى. تتأثّر الغالبيّة العظمى من المرضى بشكلٍ طفيفٍ، ولكن في أسوأ الحالات، يمكن لمرض التّصلُّب المتعدّد أن يجعل الشّخص غير قادرٍ على الكتابة، أو الكلام، أو المشي. يميل مرض التّصلّب المتعدّد بشكلٍ طبيعيٍّ للظّهور تلقائيًّا، ولا يوجد له علاجٌ فعّالٌ عالميًّا.

الأنواع:

من الصّعب جدًّا التّنبُّؤ بسلوك التّصلّب المتعدّد، فالحالة تختلف اختلافًا كبيرًا بين الأفراد، ولكنّ معظم النّاس الّذين يعانون من مرض التّصلّب المتعدّد يتمتعون بمأمول حياةٍ (بُقيا) نسبتها 95% من متوسّط العمر المتوقّع الطبيعيّ. وقد أظهرت بعض الدّراسات أنّ النّاس الّذين لديهم عددٌ قليلٌ من الهجمات في السّنوات الأولى بعد التّشخيص، وفتراتٌ طويلةٌ بين الهجمات، وشفاءٌ كاملٌ من الهجمات، والهجمات الّتي تصيبهم ذات طبيعةٍ حسّيّةٍ (أي الخدر أو النَّمَل)، قد يميلون إلى الحصول على نتائج أفضل على المدى الطّويل. أمّا النّاس الّذين لديهم أعراض رجفةٍ في وقتٍ مبكّرٍ، وصعوبةٍ في المشي، أو يعانون من هجماتٍ متكرّرةٍ مع شفاءٍ غير مكتملٍ، فهم يميلون إلى أن يكون مسار المرض لديهم أكثر تطوّرًا.

يميل مرض التّصلُّب المتعدّد إلى اتّخاذ واحدةٍ من ثلاث دوراتٍ سريريّةٍ. كلٌّ منها قد تكون خفيفةً، أو معتدلةً، أو شديدةً:

1 ــ التّصلّب المتعدّد الانتكاسيّ (RRMS)

يتميّز بالانتعاش الجزئيّ أو الكُلّيّ بعد الهجمات (وتسمى أيضًا التّفاقمات، أو الانتكاسات، أو التّوهُّجات)، وهو الشّكل الأكثر شيوعًا من مرض التّصلُّب المتعدّد. ويبدأ 70 ــ 75% من الأشخاص المصابين بمرض التّصلّب العصبيّ المتعدّد بالدّورة الانتكاسيّة.

2 ــ الثّانويّ التّدريجيّ (SPMS)

المسار الانتكاسيّ الّذي يتقدّم لاحقًا بشكلٍ تدريجيٍّ. وقد تستمّر الهجمات والشّفاء الجزئيّ في الحدوث. من بين 70-75% الّذين يبدأون بالمسار الانتكاسيّ، أكثر من 50% يحدث لديهم التّصلّب المتعدّد الثّانويّ التّدريجيّ في غضون 10 أعوامٍ. و90% يحدث لديهم في غضون 25 عامًا.

3 ــ المتقدّم الابتدائيّ (PPMS)

وهو مسارٌ تدريجيٌّ منذ البداية. الأعراض عادةً لا تُشفَى. يتمّ تشخيص 15% من المصابين بمرض التّصلّب المتعدّد بهذا النّوع. عادةً ما يحتاج التّشخيص إلى أن يتمّ بعد أن يعيش الشّخص لفترةٍ من الزّمن مع العجز التّدريجيّ ولكن بدون هجماتٍ حادّةٍ.

متلازمة العزل السّريريّ (CIS): تشير إلى النوبة الأولى من الإزالة الالتهابية للميالين في الجهاز العصبيّ المركزيّ، والّتي يمكن أن تتحوّل إلى تصلّبٍ متعدّدٍ إذا حدث نشاطٌ إضافيٌّ.

الأدوية والعلاجات:

حاليًّا، لا يوجد أيّ علاجٍ للتّصلّب المتعدّد. ويبقى العديد من الأفراد على ما يُرَام بدون علاجٍ على الإطلاق، لا سيّما وأنّ العديد من الأدوية لها آثارٌ جانبيّةٌ خطيرةٌ وبعضها يحمل مخاطر كبيرةً. وإنّ الغرضين الرّئيسيّين للأدوية المتاحة للأشخاص المصابين بمرض التّصلّب العصبيّ المتعدّد هما تخفيف أعراضٍ معينة «علاج الأعراض»، أو الحدّ من مخاطر الانتكاسات وتطوّر المرض (وهي ما تُدعَى «الأدوية المعدّلة للمرض» أو «العلاجات المعدّلة للمرض») . كما يتمّ علاج الانتكاسات الحادّة أحيانًا باستخدام الستيروئيدات للمساعدة في تقصير الهجوم والحدّ من شدّته. تعتمد أنواع الأدوية المستخدمة في العلاج على عددٍ من العوامل، منها نوع التّصلّب العصبيّ المتعدّد الّذي لدى المريض.

من العلاجات الدّوائيّة المتاحة:

الأدوية المناعيّة مثل «الإنترفيرون بيتا» تبطِّئ وتيرة وشدّة الهجمات، ممّا يعني تقليل الأضرار الّتي يتعرّض لها غمد الميالين. وهو يعمل عن طريق تعديل نشاط الجهاز المناعيّ. وغالبًا ما يُوصَف هذا النّوع من الأدوية للأشخاص الّذين يعانون من مرض التّصلّب العصبيّ المتعدّد الانتكاسيّ.

يٌؤخَذ الستيروئيد «ميثيل بريدنيزولون» كحبوبٍ أو حُقَن، حيث يتمّ استخدام الستيروئيدات للسّيطرة على شدّة هجوم التّصلّب المتعدّد من خلال تخفيف الالتهاب في الموقع المصاب.

تُستَخدم المثبّطات المناعيّة («ميثوتريكسات»، «ميتوزانترون» أو «أوكرليزوماب») في بعض الأحيان، وخاصّةً بالنّسبة للأشخاص الّذين يعانون من مرض التّصلّب العصبيّ المتعدّد التّدَرُّجيّ. وتُستَخدم أنواعٌ أخرى مثل «نوفانترون» مع الأنواع المتقدّمة أو المزمنة.

تُستَخدم بعض الأدوية الأخرى لتعويض الأضرار الّتي يسبّبها المرض، مثل «الدالفامبريدين» الّذي يُستَخدم لتحسين المشي عند الأفراد المصابين بالمرض.

يمكن للعلاج الطّبيعيّ وممارسة التّمارين الرّياضيّة أن تساعد في الحفاظ على الوظائف المتبقية، وقد يجد المريض أنّ أدوات المساعدة المختلفة ــ مثل أقواس الأقدام والعصيّ والقضبان ــ يمكن أن تساعده في التّنقُّلات والبقاء مستقلًّا.

تجنُّب النّشاط المفرط وتجنُّب الحرارة هما على الأرجح أهمّ التّدابير الّتي يمكن للمرضى اتّخاذها لمواجهة التّعب الفسيولوجي.

قد تساعد الأدوية المضادّة للاكتئاب إذا كانت الأعراض النّفسيّة للتّعب ــ مثل الاكتئاب واللامبالاة ــ واضحةً.

آخر الأبحاث:

«إحدى الرّكائز الأساسيّة لعلاج التّصلّب المتعدّد هو اتّخاذ القرارات المشتركة بين المرضى، وأطبائهم، والممرّضات».

المريض الّذي يعاني من مرض التّصلّب العصبيّ المتعدّد غالبًا ما يكون مهتمًّا جدًّا ومشاركًا في إدارة مرضه، وبالتّالي ينبغي أن يكون قادرًا على لعب دورٍ نشطٍ في رعاية نفسه، فيعمل الطّبيب والمريض معًا لاتّخاذ القرارات واختيار الاختبارات والعلاجات، وخطط الرّعاية.

وتشمل هذه العمليّة:

  • تثقيف الطّبيب للمريض حول المرض، وتقديم التّوصيات حول الخيارات المتاحة.
  • الاستماع إلى المريض والتّعرُّف على قيمه وتفضيلاته وأخذها بعين الاعتبار أثناء النّظر في العلاج الأمثل وتقييم قرار المريض.
  • كلّما شارك المريض في صنع القرار، فسوف يلتزم بالعلاج ونمط الحياة المختارة له.
  • اقتراب فريق شاملٍ مهمٌّ لضمان أنّ المرضى على علمٍ جيّدٍ بالعلاج الفعّال ونمط الحياة الصّحّيّ.

Sources:

  1. Multiple Sclerosis Information Page
  2. msaustralia
  3. nationalmssociety
  4. practicalneurology

التعليقات

تعليق

  • إعداد: كيرلس يوسف نجاح
  • مراجعة: مناف جاسم
SHARE
الرابط المختصر:
Previous articleنوبل للكيمياء 2013 – المحاكاة الحاسوبية الكيميائية
Next articleشلل الوجه النصفي

مبادرة معرفيّة علميّة موجهة للجمهور الناطق بالعربية تأسست بتاريخ 16 مارس 2015، شعارها “نرى العالم، من نافذة العلم”، وهي تهدف إلى نشر العلوم الحقيقية ونبذ الخرافة معتمدة على ترجمة وإعداد مواد مكتوبة ومقروءة إضافة إلى الصور التوضيحية والفيديوهات التعليمية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here